تفاصيل الليلة التى بكى فيها حليم


بقلم الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي ـ مجلة النجوم

لن ينسي الأحياء منا تلك الواقعة.. عموما أحياؤها أقل كثيرا من راحليها. الأحياء أطال الله عمريهما كاتبنا العبقري ملك الايجاز القاسي وحامل جمرة الحقيقة دون تعصب الاستاذ أحمد رجب والثاني ليس في حاجة إلي توصيف فانتشاره وطرقه المستفزة في اخراج مكنون صدور من يحاورهم يعطيه أولوية التوصيف في هذا المجال وهو مفيد فوزي والثالث هو العبد لله الضعيف.

أما الراحلون فكانوازهرة غناء مصر وصداحها الذي سوف يظل هواء مصر يحتضن صوته بعد رحيلنا وستظل رحلته في الحياة والفن نموذجا يصعب احتذاؤه وان كنا نتمناه 'عبدالحليم حافظ'.

الثاني: كان ظله الدائم وحارس ميراثه الغنائي والمادي طوال حياته الاستاذ 'مجدي العمروسي'.

الثالث: العملاق الذي لايجود الزمان بمثله كثيرا

فنا وشخصا 'باشا الموسيقي المصرية' كمال الطويل.

الرابع: الفنان الذي ينز موسيقي وحبا لمصر والقادر علي تحويل التراب إلي ثروة فنية خالدة 'بليغ حمدي'.

الخامس: كان كاتب القصة والروائي الموهوب 'يحيي الطاهر عبدالله' صديقي، ومن غرائب الأمور انه لم يأت معي وإنما جاء في صحبة الراحل كمال الطويل الذي التقاه مرة ببيتي وصادقة منذها.

أما سادس الراحلين فقد كان 'الأسطي عبدالفتاح' سائق 'حليم' الخاص وكان رجلا ذا شهامة ومجدعة وبصيرة.

كنا في شهر يونيو حزيران الأسود من عام .1967

كانت مصر حزينة في تلك الأيام حزنا يشق الصدور وينتزع القلوب. كانت مضاءة كما هي قبل الحرب الخاطفة ولكن الظلام كان يغمرها من كل جانب كأن قلوبنا فحته فطمس العمارات والأرض والسماء والبشر فكنا نمشي في الطرقات لايري أحدنا غير داخله الموحش واذا ما التقي صديقا ماتت الكفان كل في حضن الأخري بينما صمت الاثنان وافترقا ليلتقيا عبثا وينفصلا عبثا. مات الكلام حتما في تلك الأيام التي جربنا فيها الهزيمة جلية واضحة تفوق كل الهزائم الواضحة المستترة من قبل ومن بعد.

لا أعرف كيف حملتنا أقدامنا إلي شقة عبدالحليم اذ لم يكن أحد يهاتف أحدا في تلك الأيام وكأن كلامنا ارتكب الهزيمة بنفسه وبخجل أن يواجه بها الآخر ولو كصوت في التليفون.

شتمنا النظام وتندرنا علي 'الرجل' الذي كنا ننتظر ظهوره علي شاشة التليفزيون ونسخر مما سوف يقول، ونتساءل بأي وجه سيلقانا بعد تلك الطامة الكبري وبعد أن تحولت أحلامه وأحلامنا إلي لوح زجاج تناثر.

حانت اللحظة، وأطل علينا عبدالناصر بوجه منطفيء يشابه وجه الحياة أيامها فالتمع الغضب في عيوننا وتصاعد ما يشبه الكراهية.

عبدالناصر' فرعون الأمة كيف صار إلي هذا الرجل متهدل الملامح مهزوم العينين؟.. لاشك أن 'عبدالحليم' الذي غناه مرارا وتكرارا والذي أحب الرجل وأحبه الرجل كان أكثرنا اضطرابا واحساسا بالفاجعة المقبلة وأعمنا شعورا بعطاة الآمال المحطمة علي القلب والخاطر.

ارتفعت الأعين إلي الرجل الذي أكد الهزيمة كنا حتي هذه اللحظة غير مصدقين تماما لما حدث ونأمل في أن يكون جيشنا قد نصب فخا للأعداء وينكر أن الراية الاسرائيلية ترفرف علي شاطيء قناة السويس بحق واذ بالقائد الملهم غارق في الخيبة مثلنا تماما وأكثر، واذا به يقترح التنازل عن الحكم وتسليمة زكريا محيي الدين..... الخ.

لم ننتظر النهاية لننفجر في بكاء عارم ذي صوت ذبيح وأنين يمزق الأحشاء. أذكر بليغ حمدي وقد تكور علي الأرض يعض سجادتها ويضربها بقبضته نائحا: 'آه يامصر' وكأنه نائح خلف نعشها.

وقف كمال الطويل واضعا يده في جيب بنطاله قائلا بغضب: 'إية المسخرة دي؟..' وغادرنا وفي أعقابه 'يحيي الطاهر'.

بكينا، جميعنا كان عينا تزرف دمعا شديد الخصوصية. اليساري واليميني والمتوسط وصاحب اللاموقف. جميعنا أعولنا كالثكالي بكاء من القلب مزق أحشاءنا.

هتف عبدالحليم: 'ح نعمل ايه يااخواننا..؟'.قال واحد منا لست أنا بالتحديد : 'نعمل إيه؟ لازم نروح ونمنعه. دي تبقي كارثة جديدة.إ يه؟ يعملها ويمشي؟ ياسلام!!

أين ذهب بليغ حمدي؟ الله أعلم. حين ركبنا عربة 'عبدالحليم' كان العندليب في الأمام إلي جوار 'عبدالفتاح' سائقه في عربته ال (أريزونا' البيضاء، وانحشرنا نحن الأربعة الأساتذة: أحمد رجب ومفيد فوزي والضخم مجدي العمروسي، وقد حاولت الاعتذار اذ لم يكن ثمة مكان لي وأبي عبدالحليم بنظرته الغاضبة الحزينة وأشار إلي السيارة فكنت اليمين إلي جوار الشباك ومجدي عند الشباك الآخر وانحشر مفيد وأحمد رجب في الوسط وانطلقنا في طريقنا 'لتتويب' الرئيس ورده إلي كرسي الحكم وكنا نعتقد اننا الوحيدون الذين خطرت ببالهم تلك الفكرة العبقرية لاعادة الرئيس إلي مكانه ليواصل النضال، فقد أحسسنا ساعتها وبصدق أن مصر صارت ككرة معلقة في الهواء.

ما ان عبرنا نفق العباسية حتي فوجئنا بفيضان هائل من البشر حركهم نفس ما حركنا وكأن الشعب المصري كان علي اتفاق. الجميع قرر أن يذهب بمفرده ليثني 'عبدالناصر' عن قراره ويعيده إلي مكانه ليواصل النداء سيل بشري ينهمر كأنه ساقط من السماء.

غرقت عربتنا في البشر من كل جانب كأنها سقطت في قاع وادي من أعلي جرف هار. وشاهد الجمهور عبدالحليم في السيارة فلم يعيروه أو يعيرونا التفاتا فقد خرجوا لمهمة تجاوزت الجميع.

كتبت شعارا شديد اليمينية أنا الذي كنت مغادرا فترة اعتقالي منذ ما يزيد علي الشهر فقط.

من غيرك مصر ماتبقاش مصر

والهزيمة جنبك نصر....

الشاب الصنايعي الذي التقط من يدي الورقة الصغيرة نظر إلي ما فيها ثم ألقي بها علي الأرض وغاص في بحره الطبيعي وسط محيطه الاجتماعي والانساني ولكم أحسست بالضآلة أمام هول ما أري.

كنا في مأزق حقيقي، فالسيارة لاتجد طريقها، وربما كنا الوحيدين الذين نركب سيارة في مصر في مثل هذه الأماكن في ذلك اليوم الرهيب.

استطاع 'عبدالفتاح' أن يقود السيارة بوصة بوصة ليجد له طريقا جانبيا ينفذ منه إلي طريق العودة.

يقولون في أحاديثهم وكتاباتهم أن الاتحاد الاشتراكي هو الذي أخرج الجماهير إلي شوارع مصر في تلك الأيام. نحن شهود علي تلقائية الخروج فقد كنا جزءا منها. ربما تسلق الاتحاد الاشتراكي أكتاف الجماهير فيما بعد ذلك، أماما رأيناه فقد كان خوفا حقيقيا فطريا علي مصر ولم يكن لهم أمل سوي زعيمهم الذي تنحي.

عدنا منكسرين، لاينظر أحدنا في وجه الآخر، وتفرقنا كل إلي بيته نحمل في القلب هما لم نستطع التخلص منه الا بجهد جهيد.

انقطعت عن زيارة 'حليم' فهاتفني: 'إيه ياعبدالرحمن؟ ألا تعرف أننا متهمان بالترويج للنكسة؟ حاول أن تأتي..'
كنت قد شاهدته في برنامج مع الراحلة 'سلوي حجازي' وهي تتهمه صراحة أنه من أسباب النكسة، وأذكر له مقولة رائعة قالها ردا علي ذلك: 'لقد أبدعنا أغنيات وطنية حقيقية لحرب لم تحدث. هذه اغنيات حقيقية تلزمها حرب حقيقية'.

كان ثائرا بعنف، وحين رآني قال بحدة: 'اية يا عبدالرحمن.. هل سنظل صامتين هكذا؟'.

أجبته: 'إسمع ياحليم. مصر هزمت، وإيه أغنية تخرج للناس الآن دون أن تعترف بالهزيمة سوف تثير سخرية الأمة العربية كلها'.

قال: 'عامللي مناضل، تدخل السجن وتخرج من السجن، وحين أحتاج إلي نضالك تهرب. اكتب يا أخي وبعدين نناضل'.

ساعتها أخرجت له من جيبي (موال النهار) وحين استمع إليها أرسل علي الفور في طلب بليغ حمدي. أثناء العمل في هذه الأغنية بالذات كان يحلم أنه ينشدها علي أكتاف الشباب مرتديا جلبابه الأبيض، والشباب يرددها معه في ميدان التحرير.

لم يعط اهتمامه لأغنية مثل (عدي النهار)، هذه الأغنية التي ما ان غناها حتي استقرت في قلوب أبناء الأمة.

كانت أيام!!